الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

296

نفحات القرآن

وكانوا يضعون إلى جوار كلٍ من الأموات سِفراً يُعينه ويَهديه في سَفرهِ إلى ذلك العالم ، وذلك السِفر العجيب يحتوي على جُمل ينبغي على الميّت أن يقولها أمام الإله العظيم « آزيريس » كي تبرأ ذمّته ، وهذه الجُمل هي : إنّ العظمة تليق بك أيّها المتعال ! إله الحقيقة والعدالة ! إنني لم اراوغ مع الناس الذين كنت أعيش معهم ، ولم اضجّر امرأة عجوزاً ولم أكذب في محكمة ، ولم أدنّس نفسي بالحيل وتلفيق الحقائق . إنني لم احمّل العامل أكثر ممّا يطيق من عمل في يوم واحد ، ولم أتماهل في انجاز وظائفي ، ولم اتّخذ من التواني موضعاً ، ولم أرضَ بهتك المقدسات ولم أنمَّ على عبدٍ لدى سيده ، ولم أُلقِ برزق احدٍ إلى القطط ! ولم أقتل ، ولم أسرق لفائف وأمتعة الموتى « 1 » . إنني لم اغتصب أرض أحد ولم أصد عن رضع الأطفال ، ولم أُوقِفْ جريان نهرٍ ، إنني طاهر طاهر ! . . . أيّها القضاة ! افسحوا المجال أمام هذا المرحوم فاليوم يوم الحساب ، وهذا لم يقترف ذنباً ولم يكذب ولم يُسْ ، إنّه نصر الحق والانصاف في حياته ، فكان الناس يحمدون أفعاله وقد أرضى الإله ، إنّه أطعم الجياع وقدّم القرابين في سبيل الإله ومدّ الموتى بالغذاء ، أنّ فمه طاهر ويديه طاهرتان أيضاً . قال المؤرخ المذكور ( آلبر ماله ) فينقد هذا الكلام : يلاحظ بوضوح من خلال هذه العبارات كيفية تصنيف المصريين للذنوب الكبيرة والحسنات والمستحبّات « 2 » . ويجب أن نضيف إلى هذا الكلام أَن هذه العبارات تدل أيضاً على أنّ هؤلاء كانوا يؤمنون بالحساب الإلهي بالإضافة إلى إيمانهم بتمحيص الأعمال وإيمانهم بوجود الجنان ، كما يجب أن نضيف إلى هذا أَنّ هذه الأعمال أشبه ما تكون بتلقين الميّت لدى المسلمين ، وتشير إلى تطهير السلوك من دنس جميع الذنوب ، هذا بالإضافة إلى قياس حجم الذنوب بالنسبة إلى بعضها البعض .

--> ( 1 ) المراد من لفائف الموتى ظاهراً هو القماش الذي يلف على أجسام الموتى لتحنيطهم ، وكان ذا قيمة عالية ، أمّا الأمتعة فهي الغذاء الذي كانوا يدفنونه مع الموتى على أمل أن ينفعهم في حياتهم بعد الموت . ( 2 ) « آلبر ماله » تاريخ ملل شرق ويونان ، ج 1 ، ص 74 .